محمد بن جرير الطبري
7
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والمنكوحات به غير مملوكات ؟ قيل له : إن الله تعالى لم يخص بقوله : إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ المملوكات الرقاب دون المملوك عليها بعقد النكاح أمرها ، بل عم بقوله : إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كلا المعنيين ، أعني ملك الرقبة وملك الاستمتاع بالنكاح ، لأن جميع ذلك ملكته أيماننا ، أما هذه فملك استمتاع ، وأما هذه فملك استخدام واستمتاع وتصريف فيما أبيح لمالكها منها . ومن ادعى أن الله تبارك وتعالى عني بقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ محصنة وغير محصنة ، سوى من ذكرنا أولا بالاستثناء بقوله : إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ بعض أملاك أيماننا دون بعض ، غير الذي دللنا على أنه غير معني به ، سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير ، فلن يقول في ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . فإن اعتل معتل منكم بحديث أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في سبايا أوطاس ، قيل له : إن سبايا أوطاس لم يوطأن بالملك والسباء دون الإسلام ، وذلك أنهن كن مشركات من عبدة الأوثان ، وقد قامت الحجة بأن نساء عبدة الأوثان لا يحللن بالملك دون الإسلام ، وانهن إذا أسلمن فرق الإسلام بينهن وبين الأزواج ، سبايا كن أو مهاجرات ، غير أنهن إذا كن سبايا حللن إذا هن أسلمن بالاستبراء . فلا حجة لمحتج في أن المحصنات اللاتي عناهن بقوله ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ذوات الأزواج من السبايا دون غيرهن بخبر أبي سعيد الخدري أن ذلك نزل في سبايا أوطاس ، لأنه وإن كان فيهن نزل ، فلم ينزل في إباحة وطئهن بالسباء خاصة دون غيره من المعاني التي ذكرنا ، مع أن الآية تنزل في معنى فتعم ما نزلت به فيه وغيره ، فيلزم حكمها جميع ما عمته لما قد بينا من القول في العموم والخصوص في كتابنا " كتاب البيان عن أصول الأحكام " . القول في تأويل قوله تعالى : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني تعالى ذكره : كتابا من الله عليكم . فأخرج الكتاب مصدرا من غير لفظه . وإنما جاز ذلك لأن قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى قوله : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بمعنى : كتب الله تحريم ما حرم من ذلك وتحليل ما حلل من ذلك عليكم كتابا . وبما قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال : ما حرم عليكم . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : سألت عطاء عنها فقال : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال : هو الذي كتب عليكم الأربع أن لا تزيدوا . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين ، قال : قلت لعبيدة : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وأشار ابن عون بأصابعه الأربع . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا هشام ، عن ابن سيرين ، قال : سألت عبيدة ، عن قوله : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال : أربع . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الأربع . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال : هذا أمر الله عليكم ، قال : يريد ما حرم عليهم من هؤلاء وما أحل لهم . وقرأ : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ إلى أخر الآية . قال : كتاب الله عليكم الذي كتبه ، وأمره الذي أمركم به . كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أمر الله . وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ منصوب على وجه الإغراء ، بمعنى : عليكم كتاب الله ، الزموا كتاب الله . والذي قال من ذلك غير مستفيض في كلام العرب ، وذلك أنه لا تنصب بالحرف الذي تغري به ، لا تكاد تقول : أخاك عليك وأباك دونك ، وإن كان جائزا . والذي هو أولى بكتاب الله أن يكون محمولا على المعروف من لسان من نزل بلسانه هذا مع ما ذكرنا من تأويل أهل التأويل ذلك بمعنى ما قلنا ، وخلاف ما وجهه إليه من زعم أنه نصب على وجه الإغراء . القول في تأويل قوله تعالى : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ المحللات للنكاح اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : وأحل لكم ما دون الخمس أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا